أحمد بن محمد مسكويه الرازي

170

تجارب الأمم

جالس عن يمينه . فأمرني فجلست نجوة منه [ 1 ] فإذا هو وأبو إسحاق مدلَّيان أرجلهما في البذندون . فقال : - « يا سعيد دلّ رجلك في الماء وذقه ، هل رأيت قطَّ ماء أشدّ بردا ولا أعذب وأصفى صفاء منه ؟ » ففعلت وقلت : - « يا أمير المؤمنين ما رأيت مثل هذا قطَّ . » قال : « أىّ شيء يطيب أن يؤكل ويشرب هذا الماء عليه ؟ » فقلت : « أمير المؤمنين أعلم . » فقال : « رطب الآزاذ . » فبينا هو يقول هذا إذ سمع وقع لجم البريد ، فالتفت فإذا بغال البريد على أعجازها حقائب فيها الألطاف ، فقال لخادم له : - « اذهب فانظر [ 193 ] هل في هذه الألطاف رطب ، فإن كان فيها الرطب فانظر فإن كان آزاذا فأت به . » فجاء يسعى بسلَّتين فيهما [ 2 ] رطب آزاذ كأنّما جنى من النخل تلك الساعة ، فأظهر شكر الله عزّ وجلّ ، وكثر تعجبنا منه ، فقال : - « ادن فكل . » فأكل هو وأبو إسحاق وأكلت معهما وشربنا جميعا من ذلك الماء ، فما قام منّا أحد إلَّا وهو محموم فكانت منيّة المأمون من تلك العلَّة ولم يزل المعتصم عليلا حتّى دخل العراق ولم أزل عليلا حتّى كان قريبا . ولمّا اشتدّت بالمأمون علَّته بعث إلى ابنه العبّاس وهو يظنّ أن لن يأتيه لشدّة مرضه ، فأتاه وأقام عند أبيه وقد أوصى قبل ذلك إلى أخيه أبي إسحاق ،

--> [ 1 ] . كذا في الأصل : « نجوة منه » بالجيم المعجمة ، في مط وآ ، وتد ( 467 ) : نحوه منه . [ 2 ] . في الأصل وآ ومط وتد ( 467 ) : فيها . والتصحيح من الطبري ( 11 : 1135 ) .